توطئة, منهجيّة إعداد و ملخص عام للدليل

ملخّص عام

18 views 2019/01/15 0

تشكّل حريّة التعبير والصحافة أحد الثوابت الأساسيّة لإرساء النظام الديمقراطي، باعتبارها تعدّ حجر الأساس سواء في محاربة الفساد المالي والسياسي أو التطرّف والجريمة المنظمة أوفي تسليط الأضواء على ضرورة تكريس مبادئ المساءلة والمحاسبة وإنارة الرأي العام بسائر قضايا العدالة الاجتماعيّة.

ومن الأهميّة بمكان، في ظلّ مسار الانتقال الديمقراطي الذي تخوضه تونس ولا تزال، التأكيد على الترابط الحيويّ بين إرساء قضاء مستقلّ وعادل وتعميق الحريّات وفي صدارتها حريّة التعبير والصحافة والحقّ في النفاذ إلى

المعلومات التي يحثّ هذا الدليل على الاستفادة منها بهدف تعزيز قدرات الصحفيّين وتطوير مهاراتهم في مجال التغطية الإعلاميّة للشؤون القانونية والقضائيّة.

ولئن كانت متابعة الإعلاميّين للجلسات القضائيّة العلنيّة تُعد تجليًا من تجليّات الإحاطة بالمحاكمة العادلة، فإنّ العمل الصحفي لا يقتصر فقط على نقل مجريات المحاكمات وأطوارها، بل تؤدّي الصحافة أيضًا دورًا اعتباريّا في رقابة المنظومة القانونية والقضائيّة، ولاسيما من خلال ملاحظة سير العدالة ومدى التزامها بالنصوص التشريعيّة والمواد القانونيّة وحشد التأييد لتطبيقها واحترام مقتضياتها.

ومع ذلك تطال وسائل الإعلام والصحفيّين عمومًا انتقادات شديدة في صلة بالتغطية القضائيّة والقانونيّة.

ويعود ذلك إلى ما قد يطرأ من إخلالات أثناء سعي وسائل الإعلام إلى النفاذ إلى المعلومات والتنافس على تحقيق السبق الصحفي.وقد يؤدّي ذلك أحيانا إلى المسارعة بنشر أو بثّ معطيات ومعلومات غير دقيقة أو مغلوطة أومنقوصة عن قضايا لا تزال في طور التحقيق أو البحث.وهو ما يُحيل إلى محاذير مهنيّة يُقدّم هذا الدليل القواعد والمهارات والممارسات الفُضلى الكفيلة بتجنّبها.

وعلاوة على أنّ هذا الدليل يأخذ بمضامين «ميثاق الشرف الصحفي»، المعتمد منذ سنوات طويلة لدى النقابة الوطنيّة للصحفيّين التونسيّين، باعتباره مدوّنة مهنيّة وأخلاقيّة مرجعيّة تتطرّق إلى محاذير العمل الصحفي بشكل عام، فإنّه يهدف خصوصا إلى تعزيز قدرات الصحفيّين وإحكام معارفهم ومهاراتهم في التغطية القضائيّة والقانونيّة تحديدا.

و يقوم الدليل على أربعة محاور :

المحور 1

ينطلق الدليل بتحديد الضوابط المهنيّة والأخلاقيّة للعمل الصحفي بشكل عام والتغطية الصحفيّة للشأنين القانوني والقضائي بشكل خاص.

ومن ثمة يقوم بتعريفها وضبط مفاهيمها لتعميم الفائدة، ولاسيما بالنظر إلى تفاوت تلك المعارف والقواعد المهنيّة في صفوف الصحفيين. في هذا المضمار، يتوقّف هذا المحور عند بعض محاذير العمل الصحفي على غرار ضرورة تجنّب الثلب والشتم وأهميّة التمييز بينهما.

فاعتماد مبادئ أساسيّة كالموضوعيّة والدقّة والتوازن وتنويع المصادر الصحفيّة واحترام الخصوصيّة يُتيح مثلا تفادي ارتكاب العديد من الأخطاء المهنيّة. كما يتطرّق هذا المحور بالتفصيل إلى جوانب أخرى ذات أهميّة في العمل الصحفي في الوقت الراهن مثل كيفيّة التعاطي مع مضامين وسائل التواصل الإجتماعي، وخاصّة بالنظر إلى الكمّ الهائل من المعطيات والمواد التي تُتيحها كالأخبار والصور والفيديوهات وغيرها، وذلك من باب احترام أخلاقيّات الصحافة والالتزام بالمعايير المهنيّة الصارمة للتثبّت من مدى مصداقيتها ودقّتها أو العكس.

المحور 2

يُفرد الدليل معجما اصطلاحيّا يستند أساسا إلى مضامين «مجلّة الإجراءات الجزائيّة»، ويُعرّف في قسمه الأوّل المبادئ الأساسيّة لمنظومة العدالة المتمثّلة في «المحاكمة العادلة» و «قرينة البراءة».

كما يضمُّ هذا القسم، في مرحلة ثانية، أهمّ المصطلحات المتداولة في المعالجة الصحفيّة للشأنين القانوني والقضائي، باعتبارها تُشكّل أدواتٍ ضروريّةً لهذا النمط من العمل الصحفي المختصّ.

ويندرج هذا المعجم في قلب الأدوات التي يُقدّمها الدليل، خاصّة بالنظر إلى ما يُعاب على الصحفيّين أحيانا من الوقوع في أخطاء على مستوى استخدام المفاهيم وتوصيف الإجراءات القضائيّة.

وعليه، يُقدّم هذا الدليل تعريفا مبسطا للعديد من المصطلحات القانونيّة والإجرائيّة على غرار درجات المحاكم و إختصاصاتها  كمحكمة الناحية والمحكمة الابتدائيّة ومحكمة الاستئناف ومحكمة التعقيب، وكذلك التمييز ما بين الدعوى العموميّة والدعوى المدنيّة، ومكوّنات الضابطة العدليّة، ومُدد الاحتفاظ بذوي الشبهة والفترات القانونية لتمديدها، وما يُميّز الاحتفاظ عن الإيقاف التحفّظي. وهذا فضلا عن الجوانب التي ينبغي أن يتضمنها محضر البحث الذي تُحرّره الضابطة العدليّة، وغير ذلك من المصطلحات والخطوات الإجرائيّة التي على الصحفييّن أن يكونوا على بيّنة منها، ولاسيما إذا اختصّوا في مجال التغطية القانونيّة والقضائية. أمّا في القسم الثاني من هذا المحور، فإنّه يتوقّف عند عدد من القوانين الأساسيّة المتداولة أكثر من غيرها في وسائل الإعلام، مثل قوانين مكافحة الإرهاب وغسل الأموال والجرائم الديوانيّة والهجرة وجرائم التعذيب والقوانين المكرّسة للمساواة والقضاء على كافة أشكال العنف المسلّط على المرأة.

وفي هذا الصدد لا يكتفي الدليل بتقديم التعريف القانوني لتلك الجرائم وبمختلف أركانها، بل يقدّم نصائح مهنيّة للتعاطي الصحفي مع هذه القضايا المحوريّة. وهو ما يجعل من الدليل وثيقة مرجعيّة تُتيح لمستخدميها الاطلاع بشكل مختزل على تلك القوانين وأهمّ مضامينها وبنودها الأساسيّة…

المحور 3

 يتناول الدليل «دور الصحفي في إصلاح المنظومة القانونيّة والقضائيّة»، وينطلق من المكانة التي تتبوّؤها الصحافة في الأنظمة الديمقراطيّة باعتبارها تُمارس سلطة رمزيّة ورقابة اعتباريّة.

فمع أنّه ليس من دور وسائل الإعلام أن تكون سلطة للتشريع فإنّها تُساهم بالإخبار والتحليل والرأي في تسليط الضوء على القضايا التي تشغل الرأي العام وما يشوبها من غموض، ومن هنا تضطلع وسائل الإعلام بدور تثقيفي وتوعوي عبر تعريف الجمهور بالقوانين، ولاسيما الجديدة منها من أجل معرفة حقوقهم وممارستها في إطار الضوابط القانونيّة ذات الصلة. وفي هذا المضمار، من الأدوار المهمّة الموكولة

 إلى الصحفيّين هي العمل على تبسيط المفاهيم القانونيّة للمتلقي، دون المسّ بمعايير الدقّة والأمانة المهنيّة. وهو ما من شأنه أن يُسهم عمليّا في تفعيل مسألة الإصلاحات القانونيّة والقضائيّة.

 وقد قدّم الدليل مقترحا لمخطّط إنجاز مشروع إعلامي للمساهمة في تفعيل إصلاحات قطاع العدالة، آخذا مثالا

 القانون عدد 5 لسنة 2016 المتعلّق بالجوانب الإجرائيّة ذات الصلة بمسألة الاحتفاظ بذوي الشبهة والحقوق التي كفلها القانون المذكور لهم ولمحامييهم.

المحور 4

يتطرّق الدليل إلى مسألتين في غاية الأهميّة يتمثلان من جهة في محاذير العمل الصحفيّ في مجال التغطية القانونية والقضائيّة، ومن الجهة الأخرى في الممارسات الصحفيّة الفضلى في هذا المجال.

فبالنسبة إلى الجانب الأوّل اعتمد الدليل التشريعات القانونيّة القائمة لتنظيم العمل الصحفي، مستندا بالأساس إلى المرسومين عدد 115 و116 الصادرين كلاهما بتاريخ 2 نوفمبر 2011 لتنظيم قطاعي الصحافة والاتّصال السمعي البصري.

ويتوّج هذا الدليل مضامينه بالوقوف على الممارسات الصحفيّة الفُضلى في تغطية الشؤون القضائيّة. ومن ثمّة يُقدّم بعض الأمثلة العمليّة لتلك الممارسات الفضلى التي من شأنها أن تطوّر أداء الصحفيين وتُتيح لهم القيام بصياغة سليمة للأخبار والمقالات والأعمال الصحفيّة المتعلّقة بتغطية شؤون العدالة والمحاكمات بمختلف أطوارها.

وهكذا تتّضح أمام مستخدمي هذا الدليل المختصّ تلك المقاربة المتدرّجة والمترابطة التي اعتمدها، عبر التطرّق أوّلا إلى أساسيّات الضوابط المهنيّة والأخلاقيّة للعمل الصحفي، ثمّ التعريف بأهمّ المصطلحات القانونيّة والإجرائيّة التي على الصحفيين معرفتها والإحاطة بها وإزالة ما قد يعترضهم من غموض بشأنها.

ويُتوّج هذا المحور بتقديم تعريفات مختصرة لمضامين عدد مهمّ من القوانين التي تحظى بتواتر الاهتمام والاستخدام في مختلف المحامل الإعلاميّة.

وهو ما يُمهّد بعد ذلك للوقوف عند أهميّة دور الصحفيّين في التعريف بالمنظومة الراهنة لإصلاح العدالة وتبسيط مضامين القوانين الجديدة لجمهور وسائل الإعلام. ومن ثمّة الوصول إلى طرح أبرز المحاذير التي ينبغي تجنّبها، وتتويجها بتقديم أمثلة للممارسات الصحفيّة الفضلى في مجال التغطية القضائيّة والقانونيّة.

هل كان هذا مفيدا؟